صحيفة نبض المحرر

حفر الآبار العشوائية خطر يهدد المياه الجوفية للمحرر والحكومة تصدر قرارا بمنعه

يعيش اليوم في المناطق المحررة ملايين السوريين من السكان الأصليين والمهجرين الذين اضطروا للنزوح بعيدا عن بيوتهم بفعل آلة الحرب وبطش عصابات الأسد وحلفائه، فكانت مدينة إدلب الخضراء محط رحال الكثير منهم، الأمر الذي نتج عنه اكتظاظ سكاني كبير لصغر مساحة المحافظة، فكان واجبا على الحكومة المعنية بشؤون الناس توفير متطلبات الحياة اليومية لهم مع وضع قوانين وأنظمة تضبط حياتهم اليومية وتحفظ حقوقهم، وكون المحافظة مدينة مهمشة منذ عهد حافظ الأب وبسبب طبيعة أرضها فباتت الزراعة تكاد تكون المصدر الوحيد للأهالي في تأمين قوت يومهم، وقد تفاجأ الكثير من الأهالي بقرار وزارة الزراعة والري الأخير والخاص بمنع الناس من حفر الآبار، الأمر الذي شكل هاجسا للسكان، فمعظمهم يعتمدون في ري بساتينهم على المياه الجوفية.

» بلاغ حكومي يمنع الناس من حفر الآبار نهائيا

أصدرت وزارة الزراعة والري في حكومة الإنقاذ السورية بتاريخ 2/6 /2021م التعميم رقم 23 الخاص بحفر الآبار في المناطق المحررة، وفي نص التعميم منعت الوزارة الفلاحين من حفر الآبار منعا باتا من تاريخ 1 / 6 / 2021م حتى تاريخ 1 / 10 / 2021م تحت طائلة المساءلة القانونية والشرعية -وبحسب الوزارة- فإن التعميم جاء بسبب كثرة أعمال حفر الآبار في المناطق المحررة، والتي تشكل خطرا على منسوب المياه الجوفية وقلة مياه الشرب، إلا أن هذا القرار شكل هاجسا كبيرا لدى الأهالي فمعظمهم يعتمدون على الآبار في ريّ بساتينهم.

» ازدياد حفر الآبار العشوائية أدى لانخفاض منسوبها

ولكن قلة الأمطار وانخفاض معدلات الهطول أدى لجفاف مئات الآبار، فبدأ أصحاب البساتين بحفر الآبار الجديدة لسقاية المزروعات دون مراعاة للشروط المعتمدة لحفرها كالمسافة والعمق، وأوضح “محمد الأحمد” من ريف إدلب أن لديه أرضا زراعية يسقيها ببئر سطحي وأن البئر انخفض منسوبه بشكل كبير وبات محصوله الزراعي مهددا، فبدأ يفكر بحفر بئر ارتوازي حتى يحافظ على أرضه، ولكنه قلق اليوم من التعميم الصادر من الوزارة، فهو لا يعلم فيما إذا كان بإمكانه توسعة بئره أم لا.

ويتابع “الأحمد” حديثة أنه إذا انتظر للشهر العاشر فإنه سيخسر محصوله وسيلحق به خسائر مادية كبيرة.

وفي سياق متصل، شرح المزارع “محمد الخليل” كيف كان بستانه المزروع بشجر المحلب والتين قبل عام أجرد والشجر نحيلا، أما بداية هذا العام وبعد حفره لبئر تغير شكل البستان نهائيا، فبإمكان أي شخص أن يرى الخضار منتشرا في أي قطعة من أرضه، ولكنه أبدى تخوفه من جفاف بئره بعد قيام عدد من الأشخاص بحفر آبار قريبة منه دون مراعاة للمسافة.

وفي المقابل اشتكى “خالد الموسى” ويسكن بالقرب من مدينة إدلب بأنه يملك بئرا يسقي منه أرضه المزروعة بعدة محاصيل منذ مدة طويلة، إلا أن بئره انخفض منسوبه هذا العام وانقطعت مياهه بشكل سريع وفجائي بعد حفر جاره بئرا بالقرب من بستانه دون مراعاة للمسافة بين البئرين، وطالب الجهات الحكومية بوضع حد لهذا الأمر وإيجاد حل بديل.

» استثناءات محددة تمنحها الوزارة لحفر الآبار

ولمناقشة طلبات الحفر الاستثنائية، قال معاون وزير الزراعة والري المهندس “أحمد الكوان” بأنه شُكلت لجنة لدراسة الطلبات الاستثنائية الخاصة بحفر الآبار لتحديد شروط منحها، ونبه إلى أن قلة الأمطار في هذا العام ومحاولة الحفاظ على منسوب المياه الجوفية كان سببا في إصدار تعميم المنع، وأكد أن اعتماد المزارعين على السقاية التقليدية التي تكون نسبة الهدر فيها مقاربة لـ 70% سبب في انخفاض المياه، وأكد معاون وزير الزراعة والري وجوب دراسة كل طلب بدقة وبشكل منفرد، بعد الكشف على المكان للتأكد من مطابقته للشروط التي وُضعت، وأُعطيت أولوية الرخص حسب ما تقتضيه الضرورة والمصلحة العامة مع الاستمرار في تسوية وضع الآبار المخالفة المحفورة سابقا، كما يُعمل على مراقبة منسوب مياه الآبار الجوفية وأخذ القراءات والقياسات الدورية لهذه المناسيب حسب الغاية المراد حفر البئر لأجلها، منها الأعمال الزراعية أو الصناعية أو للشرب والاستخدام المنزلي، إذ يقدم طلب التسوية أو الترخيص للمديرية العامة للموارد المائية مع تقديم ثبوتيات امتلاك العقار المراد الحفر ضمنه عن طريق بيان قيد عقاري من المصالح العقارية، لتكشف بعدها اللجنة المختصة على موقع البئر وتتأكد من تحقيقه كافة شروط الحفر وتحقيق مسافات الحرمات، وكذلك يجري التنسيق مع الإدارة المحلية والخدمات لكي لا تضر تلك الآبار بمياه الشرب للقرى والبلدات وللمنشآت الحكومية والمدنية وخصوصا لعدم التعارض مع المخططات التنظيمية للقرى والبلدات، لتُمنح بعدها الرخصة المطلوبة.

» حفر الآبار مصدر للرزق

يعتمد سكان مدينة إدلب وريفها منذ زمن طويل على الزراعة نتيجة لطبيعة أرضها الزراعية الممتدة على مساحات واسعة، وبسبب إهمال النظام السوري للمحافظة اقتصاديا وتجاريا وسياحيا، كانت الزراعة مصدر الرزق الوحيد لأبناء المحافظة -بحسب عددا من أهالي إدلب-، وبعد تراجع منسوب مياه الأمطار اضطر عدد كبير من مزارعي إدلب لحفر الآبار السطحية والارتوازية لسقاية بساتينهم، ولعدم تحولها لأراضٍ جرداء فيُحرمون من مصدر رزقهم الوحيد، وأكد هذا الكلام “مصطفى العبدو” من سكان ريف إدلب الجنوبي الغربي وصاحب بستان زراعي بأنه مسؤول عن عائلة كبيرة مؤلفة من خمسة عشر شخصا يعتمدون في رزقهم على بستانهم الذي يروونه من ساقية للمياه الجارية، ولكن بعد جفافها لجأ لحفر بئر ليتمكن من الاستمرار في زراعة أرضه.

وبنفس السياق قال “حسن الجدوع” من ريف إدلب الجنوبي الذي يملك بستانا مساحته 40 دونما بأن أرضه كانت لا تصلح لشيء إلا أنه بعد حفره بئرا سطحيا باتت الأرض تزرع بشتى المحاصيل كـ (القرع، والقتة، والفاصولياء، والكوسا، البامية، اللوبياء،….الخ) ولكن اضطر بعد جفاف بئره لحفر بئر ارتوازي الذي كلفه مبالغ كبيرة للمحافظة على مزروعات.

» الوزارة تجد حلولا وتعمل على تنفيذها

وأكد المدير العام للموارد المائية المهندس “صالح دريعي” بأن المديرية العامة للموارد المائية تكثف جهودها لتحسين وضع المخزون المائي الجوفي بإنشاء السدود التخزينية والترشيحية على مجاري الأنهار والمجاري المائية والعمل على استثمار المياه الجارية للينابيع والأنهار في الأعمال الزراعية عن طريق زيادة مشاريع الري واستخدام طرق الري الحديثة، إذ فُعّلت محطة ضخ عين الزرقاء التي أسهمت في إرواء مساحات كبيرة في سهل الروج من مياه عين الزرقا ونهر العاصي وتخفيف استجرار المياه من الآبار الجوفية في المنطقة، كما تسعى المديرية لتحويل شبكات الري المكشوفة إلى شبكات ري مطمورة وزيادة عدد محطات المعالجة بهدف تقليل خطر مياه الصرف الصحي واستثمارها لأعمال الزراعة.

وبحسب “الدريعي” فقد أشرفت مديرية الموارد المائية على إيصال التيار الكهربائي المستحدث إلى محطة مياه عين الزرقاء تمهيدا لتشغيلها وضخ المياه إلى مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية في سهل الروج.

وقال المهندس “صالح دريعي”: “أجرينا أعمال الصيانة على مضخات المياه، وواجهتنا أعطال كبيرة، منها وجود أكبال نحاسية مسروقة أو مقطعة إلى أجزاء، وهي ذات تكلفة كبيرة، كما عانينا من صعوبة العثور عليها تحت الأرض، وفي النهاية سيطرنا على تلك الأعطال الكهربائية ونجرب حاليا خطوط الكهرباء”.

وأكد مدير الموارد المائية أن ضخ المياه إلى سهل الروج يعد أمرا بغاية الأهمية، لأن المنطقة هي الخزان الزراعي الصيفي للشمال المحرر، ونقص مياه الأمطار أدى إلى الجفاف وتقلص المساحات المزروعة.

وبنفس الإطار أكد “الدريعي” أن أعمال الصيانة مستمرة في عدد من المرافق منها مشروع سد الدويسات، لمتابعة أعمال الصيانة في عدد من المرافق الملحقة به كبحيرة سد الدويسات للاطلاع على نسبة تخزين المياه فيها، من أجل وضع خطة للري وفقا للمياه المتوفرة بداخلها، حيث لاحظ تدني مستوى المخزون نتيجة قلة الأمطار التي هطلت هذه السنة، وأكد أن العمل مستمر وبوتيرة عالية حتى إصلاح جميع الأعطال للوصول إلى نتائج مرضية.

» المياه نعمة ويجب المحافظة عليها

أكد معاون وزير الزراعة والري المهندس “أحمد الكوان” على وجوب الحفاظ على هذه النعمة واستثمارها بما يحتمه علينا ديننا ومقتضيات المعيشة والحياة خلال الثورة وبسبب انعدام الخدمات الأساسية في المجتمع وتوزع الناس على كامل المناطق الجبلية والسهلية في المناطق المحررة البعيدة عن استهداف النظام المجرم، فوجب دراسة حفر آبار وتجهيزها لغاية تأمين مياه الشرب بالدرجة الأولى، كذلك استثمارها في الأعمال الزراعية أو الصناعية لتأمين مصدر الغذاء لعيالهم وأهلهم.

وبين “الكوان” أن الوزارة وبعد إحداث مديرية الموارد المائية نهاية عام 2017م عملت على وضع خطة عمل تتناسب مع المرحلة الراهنة والمقبلة، حيث عملت على تأهيل مشاريع الري المعطلة لتخفيف أعمال الحفر الخاصة بالزراعة، لذلك جُهز عدد كبير من مشاريع الري في سهل الروج وسهل الغاب ودركوش وسلقين وحارم، والتي أسهمت في إرواء آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية في المناطق المحررة، كما وأصدرت الوزارة العديد من التعاميم لمنع الحفر المخالف والعشوائي، وسجلت كافة الحفارات في المناطق المحررة، وضبط عملها في منح أذونات الحفر للآبار المرخصة، وأصدرت قانون التشريع المائي الذي حددت من خلاله شروط الحفر والترخيص ونظام العقوبات للمخالفين، كما فُعّل نظام الضابطة المائية في المناطق المحررة لمراقبة تطبيق قانون التشريع المائي والالتزام به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى