صحيفة نبض المحرر

مع ارتفاع درجات الحرارة، سعر قالب البوظ يحلق في عنان السماء، فأين الرقابة التموينية؟

نشهد في مثل هذه الأيام الحارة من كل عام ولمدة تتراوح بين الأسبوع والأربعة أسابيع ارتفاعاً ملحوظاً في سعر قالب البوظ، ويبدأ الناس حينها بالتذمر والسؤال عن سبب قفز سعره لهذا الحد بشكل فجائي، وتضطر آلاف الأسر لشراء البوظ على الرغم من ارتفاع سعره بسبب الحاجة الملحة له، ومع ذلك غالبا لا يستطيع رب الأسرة جلب قطعة صغيرة من البوظ بسبب قلة العرض وكثرة الطلب، وللحصول عليه يتوجب على الشخص المرابطة في الأسواق وعلى الدوارات لانتظار سيارة البوظ، وغالبا ما تحصل مشاجرات وخلافات بين الأهالي، فنفاد الكمية يعني أن أسرته ستظل تعاني من الحر، وهذا سبب ما نسمعه من كلام الناس بعد الانتهاء من البيع وعدم حصول الشخص على أي قطعة، فمنهم من يقول أين التموين مما يحصل؟ بينما يقول آخر ما هو السبب؟ هل الازدحام هل أغلقت المعامل وتوقفت عن البيع؟ فيما يقول ثالث والله الجميع لصوص ويخبئون عددا من الألواح لأقاربهم أو لأصدقائهم لبيعهم بسعر مرتفع، ولربما نتفهم موقف الناس كونهم أمضوا نهارهم في البحث عن سيارة بيع البوظ.

– ارتفاع درجات الحرارة تزيد حاجة الناس لقالب البوظ؟

تأتي على المنطقة المحررة في كل عام أيام وأسابيع تزداد درجات الحرارة ارتفاعا بشكل كبير حتى تصل أحيانا لنحو 40 درجة مئوية وهو أمر غير اعتيادي لدى سكان الشمال السوري المحرر، كون المنطقة يغلب عليها الدرجة المعتدلة، مما يضطر الكثير منهم لشراء قالب البوظ وخاصة من يسكن الخيام، كون خزانات المياه تكون عرضة للشمس بشكل مباشر وترتفع على إثرها درجة حرارتها ما يتطلب كسر سخونتها، ولعل قاطني المدينة ليسوا بأفضل بكثير كون معظم خزانات المدينة تكون على السطح وتتعرض لأشعة الشمس، وهذا ما أشار إليه “عبيدة الساطع” من سكان مدينة معرة مصرين بريف إدلب كون سكنه في بيت ريفي ويتعرض لحرارة الشمس طيلة النهار، مما يجعل حرارة المياه بداخل الخزان مرتفعة جدا، وهذا ما يجعله يذهب لمكان بيع البوظ منذ الصباح الباكر للحصول على قطعة حتى يتمكن من شرب المياه.
وبنفس السياق أكد “عزو المصطفى” نازح من منطقة خان شيخون بأنه بات مستحيلا في هذه الأيام الحارة شرب المياه بدونه فالجو حار والبيت حار والمياه حارة ولا يكسر حرارتهم سوى قطعة البوظ.
أما “عبيدة الماشي” من ريف حلب الغربي قال إنه مع صباح كل يوم تستنفر زوجته مبكرة لتذكيره بضرورة شراء البوظ وهذا يدل على الحاجة الملحة للناس لهذه المادة خلال هذه الأيام ذات الحرارة المرتفعة.
وبنفس الإطار عبر خالد الشيخ من سكان مخيمات أطمة بأن الحرارة داخل الخيمة مرتفعة جدا، فكيف سيكون الحال بالخزان الموجود بين الخيم، لذلك يسرع “خالد” فور سماعه صوت بائع البوظ للتوجه إليه لشراء قطعة منه ويقول لو تأخر قليلا فإنه سيعود خاوي اليدين.

– باعة جوالة وأسعار متفاوتة

عدد كبير من الباعة الجوالين يعملون بهذه المهنة في المناطق المحررة فيشترون كميات من المعامل، ثم تباع في الأسواق والبلدات والقرى ولكن ما لا حظه الناس التباين الكبير في سعر قالب البوظ الواحد، فما إن اشتد الحر حتى قفزت الأسعار دفعة واحدة فبدل أن يكون سعر القالب الواحد قرابة 6 ليرات وصل لـ ( 12 و 15 وحتى 20 ) ليرة تركية هذا إن وجد أصلا لأن البائع لا يمكث وقتا طويلا حتى يبيع القوالب بشكل كامل.
ويقول “سعد العبدو” بائع جوال في مدينة إدلب إن لديه عائلة مؤلفة من 7 أشخاص يعتمدون في مصروفهم على بيع البوظ فهو المدخول الرئيسي لهم، وأشار “العبدو” إلى أن ارتفاع درجات الحرارة اضطره لاستئجار عامل معه، ففور وصول سيارته للسوق يتوافد العشرات فيحصل ازدحام، وأحيانا خلافات فيما بين الناس، ولعل جملة من الأسباب كانت وراء ارتفاع سعر البوظ من بينها انتظاري الطويل أمام المعمل، ولربما لا أحصل على الحمولة المطلوبة.
وبنفس الإطار تحدث أحد الباعة ورفض ذكر اسمه بأنه يقف في الحر وينتظر أمام المعمل وقتا طويلا للحصول على حمل للبيع، وعلل سبب رفعه للقالب لـ16 ليرة تركية كي يتناسب مع تعبه ومجهوده ومجهود سيارته خلال هذه الأيام الحارة.
بينما يبرر البائع “حسام يازجي” في أحد الخيام سبب رفعه لسعر قالب البوظ إلى 18 ليرة تركية بأنه يذهب بسيارته مسافة طويلة لجلب البوظ ثم يتوجه لبيعه في المخيم وهذا يكلفه الكثير من المال نتيجة وعورة الطرقات وبعد المسافة.

– مخالفات بالجملة

يقول “خالد العيسى” أحد سكان مدينة إدلب بأنه ذهب ظهرا لشراء قطعة بوظ من جانب دوار الكرة، فطلب من البائع قطعة بثلاث ليرات تركية، وبينما البائع يقطعها، إذ بموظف التموين بشخص يسأله بكم هذه القطعة، ليسألنا بعدها نحن، فأجبته بأنها بثلاث ليرات أي إن القالب الواحد يباع بقرابة الـ ١٥ ليرة تركية فنظم ضبطا به وخالفه وطلب منه وضع التسعيرة، وبهذا الصدد أكد مدير التجارة والتموين في وزارة الاقتصاد التابعة لحكومة الإنقاذ السورية أن ارتفاع درجات الحرارة والطلب الزائد من المواطنين ونتيجة جشع بعض العاملين في بيع مادة البوظ من (صاحب معمل، موزع، بياع مفرق) كل ذلك أدى إلى ارتفاع سعر القالب، وزيادة التكلفة، وأشار المدير إلى أن القالب لا يخرج قالبا حتى يكتمل تبريده، وفي أثناء ارتفاع درجات الحرارة يأخذ مدة أطول للتبريد، مثلا تحتاج الوجبة 8 ساعات في الحالات العادية، أما عند ارتفاع درجات الحرارة تأخذ الوجبة 16 ساعة، واتخذت المديرية العامة للتجارة والتموين الإجراءات اللازمة إذ أصدرت قرارا يحدد فيه سعر قالب البوظ من المعمل حدا أعلى 8 ليرات تركية و12 ليرة تركية للبائع المفرق مهما تعددت حلقات الوساطة، وقد بلغ عدد المخالفات حتى تاريخه 110 ضبوط تموينية وإغلاق 8 معامل للبوظ، كما أصدرت لجنة المخالفات التموينية المنعقدة بتاريخ 12/8/2021م قرارا بتوقيف 17 مخالفا من أصحاب معامل الثلج والموزعين وبائعي المفرق لارتكابهم مخالفات تموينية تتعلق بعدم الإعلان عن أسعار القوالب، كما أصدرت اللجنة 3 أحكام توقيف غيابي بنفس المخالفات -بحسب المدير العام للتجارة والتموين الأستاذ خالد الخضر-.

– المخيمات المتضرر الأكبر

لا يخفى على سكان المناطق المحررة الوضع المعيشي الصعب في مخيمات النزوح، فكما يقول أهالي المخيم “إذا كانت درجة الحرارة خارج الخيمة 30 فداخل الخيمة تصل للـ ٤٠” فطبيعة الخيام تجعل حرارتها مرتفعة بشكل كبير جدا لذلك الشخص الذي كان بحاجة لقطعة بسعر ليرة واحدة أصبح اليوم بحاجة لـ 3 ليرات لتكفي حاجته وهذا مؤشر أيضا على زيادة الطلب الكبيرة، الأمر الذي يسهل على البائع وضع التسعيرة التي يريد، “أبو أحمد” نازح من ريف حماة يقول أسكن في أحد مخيمات بجانب “كفرلوسين” خلال الأيام الفائتة ارتفعت درجات الحرارة، فقد كنت أشتري قطعة بليرة واحدة تكفيني يوما واحدا، أما اليوم أضطر لشراء قطعة ب 3 ليرات ولا تكاد تكفي أسرتي.
وعاد “زين العبد الله” من ريف جسر الشغور ليؤكد ما قاله “أبو أحمد” سابقا، فبحسبه باتت الخيمة عقابا جماعيا وأشبه بالنار الحامية التي تشوي لذلك يزداد استهلاك المياه الباردة لإطفاء حر الخيمة، وأشار لزيادة طلبه على البوظ، فاليوم يجلب قطعة بـ5 ليرات تركية وبالكاد تكفي أسرته المؤلفة من قرابة 11 شخصا.

– وزارة التنمية والشؤون الإنسانية تحاول التخفيف عن سكان المخيمات

تسعى دائما وزارة التنمية والشؤون الإنسانية في حكومة الإنقاذ السورية للوقوف على حاجات الأهالي مع كل أزمة إنسانية أو معيشية تواجه الناس في المحرر وتبدأ بعمل ما بوسعها في سبيل التخفيف عنهم قدر المستطاع، وهذا ما حصل في الأيام السابقة والحالية -حسب بلال الحسامي المدير العام للمديرية العامة للشؤون الإنسانية-، والذي أكد بدوره أن المديرية عملت على توزيع قرابة 2388 من قوالب البوظ، وشمل التوزيع 55 مخيما واستفادت نحو 7168 عائلة، وحصل التوزيع من خلال المديريات الفرعية التابعة للمديرية العامة.

– الكل مستفيد

بطبيعة الحال، مطلوب من الجميع الحس بالمسؤولية والشعور بالمصير الواحد والرحمة فيما بيننا خلال تعاملاتنا، فصحيح أن المؤسسات الحكومية تلاحق المخالفين وتضبط تصرفاتهم ولكن لا يكفي ذلك، بل مطلوب منا الوقوف لجانب بعضنا في الأزمات وعدم استغلال بعضنا للحصول على بعض الأموال، ويجب أن يعتبر كل واحد منا نفسه مسؤولا وأن لا نجعل أيامنا وشهورنا مواسم لاستغلال بعضنا البعض، وهذا ما أكد عليه أغلب من التقينا بهم خلال كتابة هذا التحقيق الصحفي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى